الأربعاء، 24 أغسطس 2011

التعليم والتغير الاجتماعى


التعليم والتغير الاجتماعي تأثير متبادل : حالة المجتمع الليبي


أولا : مقدمه :

     لعل التغير أو التبدل  في أحوال الناس والثقافات والمجتمعات والحضارات من بين أهم القضايا التي شغلت بال الفلاسفة والمفكرين والمتخصصين في مختلف فروع المعرفة طوال العصور. وعندما ظهرت فروع للعلوم الإجتماعية  تخصص في كل مجال باحثون جعلوا تجليات هذه الظاهرة محور اهتماماتهم . وفي كل مجتمع نشط فيه المتخصصون في العلوم الإجتماعية اهتمت نسبة منهم بدراسة القضايا التي تتصل بظاهرة التغير بطريق مباشر أو غير مباشر. لم يخرج المتخصصون الليبيون عن هذا التقليد ،  لكن  لابد من التذكير  بأن عمر الدراسات التي تصف خصائص اجتماعية للمجتمع الليبي،  وتحمل ولو اشارات محدودة لظاهرة التغير الاجتماعي لا يزيد عن أربعين سنة . لقد أعدت دراسات  خلال النصف  الأول من القرن العشرين إلا أن غالبيتها دراسات تاريخية تتبعت حياة وضع الأفراد والجماعات التي حكمت البلاد أو حاولت الاستيلاء على السلطة ، أو اهتمت بأنشطة تتصل بالآثار . إلى جانب هذه قام عدد من الباحثين الإيطاليين أثناء حكم إيطاليا ، و باحثين بريطانيين  أثناء الحكم العسكري الذي أشرفت عليه قوات الحلفاء بعد انسحاب إيطاليا بدراسات اثنولوجية وانثروبولوجية . وقد اهتمت هذه الدراسات بوصف الحالة الراهنة التي كان عليها المجتمع مع الاهتمام بنظامه القبلي وتأسيس الجذور البعيدة للقبائل القائمة .  ولا يكاد يجد القارئ في هذه الدراسات اشارات لظاهرة التغير الاجتماعي . لذلك كان على الدراسات الاجتماعية التي تتعرض لبعض مظاهر التغير الاجتماعي أن تتأخر إلى ما بعد بداية التعليم الجامعي محليـا . لقد فتحت الجامعة الليبية أبوابها بكلية واحدة للآداب في العام 1956 . ومنذ البداية كان قسم علم الإجتماع من بين أولى الأقسام التي أنشئت . أجرى الذين تولوا  التدريس في القسم الجديد بإجراء الدراسات بهدف توفير معلومات لإحدى المواد التي تدرس وهى مادة المجتمع الليبي.

لقد اهتمت الدراسات التي نفذت خلال السنوات الأولى بوصف الحالة التي كان عليها
المجتمع، وهي من هذه الزاوية لا تختلف عن تلك الدراسات الأنثروبولوجية التي تمت قبل
إنشاء الجامعة. لكن ومنذ بداية السبعينيات ظهرت مجموعة من الدراسات التي توجهت مباشرة لتتبع ظاهرة التغير الاجتماعي في هذا المجتمع. وقد تمثلت هذه في دراسات امبيريقة
استخدمت  عينات تمثل المجتمع الكبير، أو عينات صغيرة  أو متوسطة الحجم  أخذت من تجمع سكاني واحد ( مدينة أو قرية ) . ومعظم النوع الأخير عبارة عن اطروحات  لنيل شهادة الماجستير أو الدكتوراه .

          بذلت ـ  من خلال هذه الدراسات ـ محاولات لتتبع تجليات الظاهرة   في مختلف المجالات ذات العلاقة ، بقصد وصف وفهم ما يحدث ومن ثم تفسيره . لذلك سلط الضوء على مجموعة المتغيرات التي افترض أنها إما تتسبب في التغير،  أو تصاحبه ، أو تنج عنه ، وبالطبع كان التعليم من بينها . والتعليم المقصود هنا هو التعليم العصري أو التعليم الحديث . لقد طور هذا بناء على تبدلات كثيرة ، وهو فيما بعد كان مصدرا لتبدلات جديدة. وسيشار فيما بعد لهذه الدراسات والى أهم القضايا  والمشكلات التي طرحتها ، والى المشكلات التي يمكن الإهتمام بها مستقبلا.


ثانيا : التغير الإجتماعي: المفهوم والتوجهات النظرية
          الحديث حول الظاهرة التي يمكن التعبير عنها من داخل المفهوم المعروف بالتغير الاجتماعي حديث  قديم. لقد اهتم المفكرون والفلاسفة في مختلف العهود برصد التحولات التي تطرأ في مجال الحياة الاجتماعية . فكتب عن هذا فلاسفة اليونان ، ومن بعدهم فلاسفة العرب المسلمين، ثم جاء دور مفكري عصر التنوير ومن أتى من بعدهم . ومثلت أعمال هؤلاء العلماء رصيداً للمتخصصين في مجال العلوم الإجتماعية المعاصرين . وتطور النظر لأسباب وحجم الظاهرة ونتائجها عبر الزمان،  ويظهر هذا بوضوح  في استخدام المفاهيم التي تعبر عن الظاهرة في محاولة لدراستها  مثل التقدّم والتطوّر والارتقاء. وتجدر الإشارة الى أن  اصطلاح ( التغير الإجتماعي )  قد استخدم أول مرة وبصورة عرضية في  كتابات آدم سميث وعلى الأخص في كتابه المشهور ( ثروة الأمم )  الذي نشر في القرن الثامن عشر ، لكن لم ينتشر ويصبح واسع التداول إلا بعد نشر عالم الإجتماع الأمريكي  أوجبرن كتابا يحمل هذا العنوان في عام 1922 ( Ogburn,1922) .  رأى عالم الإجتماع هذا أن التغير ظاهرة
عامة ومستمرة ومتنوعة ولا لزوم لربطها بصفة معينة . لذلك وجد في اصطلاح التغير الإجتماعي مفهوما  متحررا من التقييم ، ولا يرتبط  بصفات موجبة أو صفات سالبة .

اتفق مع تعريف أوجبرن البعض وعارضه آخرون . ولهذا ،  ومنذ ظهور هذا المفهوم أول مرة  والعلماء يقدمون تعاريف وتحليلات متعددة ومختلفة  له . ويرجع تعدد التعاريف إلى تعدّد وجهات نظر العلماء،  وتعقّد الظاهرة نفسها ،  بحيث سمحت لهؤلاء العلماء أن يركزوا اهتماماتهم إلى بعض أبعاد الظاهرة حسب اهتماماتهم . وبدون استعراض هذه التعريفات والموازنة بينها فإننا نرى أنه لغرض هذه الورقة نقول أن التغير الإجتماعي يعني التحولات أو التبدلات ، التي تستقر عبر الزمن  في مجالات الحياة الإجتماعية كتلك المتصلة بالأنماط الثقافية ، وعلى الخصوص مكونات القيم ومكونات المعايير ،  أو البناء الاجتماعي  أو مكوناته أو وظائفه ، أو الأنماط السلوكية للأفراد  .

          وقد يكون من المفيد  التذكير بأنّ ظهور علم الاجتماع ـ  بصورته الحديثة ـ تزامن مع تغيرات معرفية وفلسفية واجتماعيةٍ واقتصاديةٍ وسياسيةٍ هامةٍ في أوروبا . فإذا أمكن حصر  الأصول الفكرية لعلم الإجتماع في نظريات الفلسفة السياسية ، والنظريات البيولوجية التطورية، وحركات الإصلاح الإجتماعي ، أمكن فهم الأسباب التي جعلت الآباء الأولين لهذا المجال المعرفي يولون التغير أهمية خاصة . لذلك توجهوا  لدراسة التغيّر الاجتماعي في محاولة للوصول إلى القوانين التي تحكمه. فمؤسسوا علم الاجتماع من أمثال  أوجست كونت وهربرت سبنسر وغيرهم كانوا يبحثون عن  الأسباب التي أدت الى تلك التغيرات الإجتماعية الهامة عبر التاريخ ، والى الكيفية  والى العمليات التي  حدثت بها هذه التغيرات . وقد استمر هذا التقليد  بين علماء الاجتماع خلال مختلف العقود التالية.

منذ البدايات الأولى بذل عدد من علماء الإجتماع مجهودات لبناء تصورات نظرية ، لتفسير الظاهرة . وفي كل مرحلة تاريخية تأثر المنظرون الإجتماعيون بالأفكار النظرية التي كانت مسيطرة في مختلف العلوم . وكما حصل أصحاب كل إتجاه  على مؤيدين تعرضت أعماله الى انتقادات أدت في النهاية الى بروز توجهات نظرية جديدة . كانت البدايات الأولى
مع  المنظور التطوّري ، لذلك  افترض  الآباء الأولون لعلم الإجتماع وخصوصا سبنسر وأوجست كونت أن التطوّر الاجتماعي يشبه التطوّر البيولوجي  فهو تقدم اجتماعي . المجتمعات في حركة تطور دائم؛  من البسيط الى المتوسط  فالمعقد،  من المتشابه المتجانس إلى المتباين المختلف ،  من البداوة الى الريف ثم التحضر ، من سيادة العلاقات العضوية الى سيادة العلاقات الميكانيكية وهكذا .

يتفق العلماء الذين يأخذون بهذا المنظور في أن حركة  التطوّر تسير في اتجاهٍ خطي  ويختلفون في عوامل التغيّر أو مراحله. فيعتبر  ماركس  الاقتصاد العامل  المحرك للتاريخ، وأما مورجان فيعزى السب الى التكنولوجيا ، بينما يقترح أوجست كونت النمو الفكري هو العامل الأهم وهو في نفس الوقت المحصلة النهائية للتغير الإجتماعي . ومع كثرة الإنتقادات التي وجهت له تنامت وجهات نظر أخرى ، لكن هذا الإتجاه لم يمت ، بل  يستقطب بين الحين والآخر مؤيدون جدد، ومن بين المحدثين يمكن الإشارة الى كل من  ستيوارد ووايت ولينسكي ( Steward ,1960; White, 1949 ; Lenski, 1966) .

     اهتم عدد  من التابعين للمنظور التطوري  بدراسة المكونات الكبيرة ، فحاول تتبع مسيرة ظهور وانتشار وسيطرة الحضارات ثم أفولها . من أشهر هذه  النظرية الدائرية لإبن خلدون ، والتي طورها  سبينجلير   ( Oswald  Spengler ) عن تدهور الحضارة الغربية وأفولها.  فبعد  أنّ تصل الحضارات إلى أوج ازدهارها تبدأ في مرحلة التحلل والانهيار . وكذلك  ظهر هذا الاتجاه عند باريتو في نظريته  عن الصفوة ،  وسوروكن في نظريته عن الدورات التاريخية التي تتكرر في كل المجتمعات عندما تتحوّل عبر ثلاث مراحل هي:المرحلة الاعتقادية والمرحلة المثالية والمرحلة الحسية. كما اقترح  أرنولد توينبي نظرية حول دور الحضارة بين مراحل النمو وأنماط التكيف معها.   فكل دائرة تبدأ بتحدّي، ويقابل هذا التحدّي باستجابة قد تكون ناجحةً ، ويبقى المجتمع ليواجه مزيداً من التحديات إلى أن يواجه تحدياً لا يستطيع أن يواجهه فينهار، وهكذا يتحوّل التاريخ إلى دوراتٍ حضارية متعددةٍ.

يمكن القول أن المدرسة الوظيفية هي الأخرى نوع من التطوير  الذي تم من داخل الإتجاه التطوري العضوي . فالنسق وهو المفهوم المحوري عبارة عن نظام يتكون من أجزاء تعمل متكاملة للحفاظ على التوازن والتكامل مثل ما هو سائد  في حالة الكائن الحي. يقول البعض  أن الوظيفية تصور نظري يصلح لوصف النسق الإجتماعي وهو في حالة سكون . إلا أن اقتراح  بارسونز المتمثل في مفهوم النسق المتوازن الديناميكي يناسب التعامل مع التغير. فمع أن مكونات النسق على مستوى الفرد أو الشخصية أو على مستوى المجتمع تكون في حالة توازن داخلي وخارجي ، تتقبل هذه المكونات مكونات عدم التوازن ،  فتتعامل معها بدمج التغيرات في داخل بناء النسق ليعود الى حالة التوازن وهكذا. 

وقبل أن نختم هذا الجزء لابد من الإشارة ولو في عجالة الى  ذلك التوجه النظري  المعروف بالصراع . وهو توجه يعنى بدراسة التغيّرات التي تنقل المجتمع من حالة إلى حالة مناقضة ، فالتناقض هو المحرك الأساسي لتغيّر المجتمعات وتاريخ المجتمعات هو في التحليل الأخير تاريخ صراعٍ بين الطبقات.    وفي رأي ماركس الذي عادة ما يشار اليه بأنه أهم الذين نظروا  لهذا الإتجاه أن الحياة الاجتماعية  دائمة الحركة، وذلك نتيجةً لوجود دوافع التغيّر بداخلها.


ثالثا : التحديث كنوع من أنواع التغير الإجتماعي
يستخدم كثيرون من علماء الإجتماع  مفهوم التحديث للإشارة الى العملية التي عن طريقها يتحوّل المجتمع من حالة التقليدية إلى حالة المجتمع الحديث أي المجتمع الذي يأخذ بأسباب الحياة العصرية الحديثة . وهي عملية يتحول خلالها المجتمع من حالة  ما  قبل المجتمع الصناعي  الذي تسود فيه  الحرف التقليدية ، الى مجتمع للصناعة فيه مكانة عالية. وبعبارة أخرى   كأن التحديث مرحلة ضمن مراحل تطور المجتمعات البشرية. تاريخيا ،بدأت أولا في أوربا ، وانتشرت فيما بعد في مختلف أرجاء العالم . شأنها في هذا شأن بقية المراحل
التي سبقتها ، وخصوصا تلك التي تميزت ببناء حضارات . مع ملاحظة أن وسائل الانتقال التي توفرت لمرحلة التحديث كانت هي الأفضل من حيث تطورها ومقدرة انتقالها وسرعة الانتقال.  لذلك يمكن القول أن انتشار التحديث جغرافيا كان أوسع من انتشار أي حركة اجتماعية أو مرحلة   تطور أو تغير سبقتها . وتجدر الإشارة إلى أن  مسيرة التحديث المادي  لم تبدأ  فجأة ، وإنما سبقتها مرحلة، سادت خلالها حالة فكرية، تميزت بسيادة خصائص تميل إلى  توجيه سيل لا ينقطع من الأسئلة  في محاولة لفهم كنه  مختلف  جوانب الحياة العقائدية والفلسفية والفكرية.  أسئلة تشكك في الثوابت بغض النظر عن مجالاتها . أسئلة تدعو إجاباتها إلى الثورة على القديم، وعدم الخوف من المجهول، والاستعداد للدخول في تجارب غير معهودة ولا معروفة . يمكن أن يشار  إلى  هذه الحالة الفكرية بالحداثة . وهي حالة طالت مختلف الأنشطة المتعلقة بالفكر وبالإبداع من فلسفة إلى أدب وفن وهندسة والعلم بفروعه وتطبيقاته العملية، إلى قواعد تنظم عمليات التفاعل الاجتماعي بين الأفراد . لقد أخذت الحداثة تتشكل  كنتيجة مباشرة لتكاثر الأفكار الجديدة ، وتصارع مختلف الفلسفات ووجهات النظر وحركات التمرد على الأوضاع القائمة ، إلى أن تبلورت  ما أصبح يعرف  بفلسفة التنوير التي قادت التطبيقات العملية لبعض جوانبها إلى التحديث المادي .

          ولأن البداية كانت في أوربا ، لذلك يرى عدد غير قليل من المفكرين والباحثين ورجال السياسة إلى أن التحديث تجربة أو صناعة أوربية. وعلى الذين يرغبون في استيرادها أو تقليدها أن يطبقوا التجربة بحذافيرها، وتظهر عندئذ مجتمعات تشابه النمط الأوربي ، ويشب أفراد تشابه أو تعكس أنماط سلوكهم الأنماط الأوربية . وافترض أغلب الذين كتبوا من هذا المنظور   أن هناك طريقا واحدا  للتحديث ، وهو الذي  سلكته الدول الصناعية الغربية واليابان. وتبعاً لهذا المنظور فإنّ التحديث سيقود إلى نمطٍ من الالتقاء لكل المجتمعات في نمطٍ واحدٍ متصفٍ بالحضرية والصناعة وزيادة السكان حجماً وكثافةً وتقسيم للعمل أكثر تخصصاً،ويعتمد على المعرفة العملية بدرجةٍ أكبر فتصبح المعرفة العلمية أكثر انتشارا Lerner,1958, Smelser,1959) ) . وقد ربط بعض هؤلاء ما بين التحديث والتطور والتقدم ، فكأن حركة تحديث المجتمع عبارة عن خطوات أو مراحل على خط التقدم  (Eisenstadt,1973) . بينما اقترح آخرون ،  أنه لكي يتحول مجتمع تقليدي  الى حالة المجتمع الحديث ،  لابد من تواجد عدد من أعضائه  ممن اكتسب خصائص الشخصية

الحديثة. وأهم هذه الخصائص :  الإعتقاد في امكانية المعرفة العلمية لحل جميع المشكلات والركون الى الحوار لحل الخلافات ، وتقبل الرأي المخالف ، واحترام القانون وقواعد العمل والتقيد بالوقت . ومن بعد يقوم هؤلاء بدور القادة أو المحرضين لإقناع الآخرين بالأخذ بأسباب الحياة العصرية (Inkeles and Smith,1974,) .

وبناء على ما تقدم فإن عوامل التغيّر في البلدان النامية هي عوامل خارجية . تصل 
التاثيرات من بعيد  عبر انتشار عناصر التقانة . تحمل التقانة  معها خصائص الثقافة التي طورت فيها أول مرة . وعندئذ  تبدأ الثقافة التقليدية التي  يصفها البعض بالجمود والسكون تشهد عمليات تباين واسعة النطاق تؤدي إلى تغيرها لكي تتقرّب من النموذج الغربي. فعملية التحديث هي عمليةٌ تحتل في اكتساب واستيعاب المجتمعات التقليدية النامية لقيم وتنظيم المجتمعات الحديثة. ويتوقع أن يفرز  هذا التغير البطيء المتدرّج الذي يتم عن طريق تحديث الأبنية الاجتماعية  بعض المشكلات من مظاهر التناقض بين القديم والجديد، ومن مثل ما عبر عنه أوجبرن  بالهوة الثقافية التي تنتج عن اختلاف سرعة  تغيّر العناصر المادية وتغيّر العناصر المعنوية. وكلما ازدادت دائرة التغير وتكيف المجتمع للتغير اتساعا، ضعفت هذه المشكلات وزال أثرها . ومن هنا يظهر أثر العوامل الداخلية حيث تختلف المجتمعات في مقدرتها على تطوير عناصر محلية تعمل على خفض التوتر الناتج عن استيراد الأنظمة، والمؤسسات الحديثة ، وتطوير وسائل تضاعف من سرعة  عملية التكيف مع الجديد ، لترجع حالة التوازن الى البناءات الإجتماعية.  ويعتبر البعض بما فيهم ليرنر وأيزنستاد وإنكلس أن نظريات التحديث لا تعدو عن تكييف للمدرسة النظرية الوظيفية لتلائم  دراسة المجتمعات النامية . وفي رأي هؤلاء التغيّر الذي تشهده البلاد النامية هو تغيّرٌ تدريجيٌ مرتبطٌ بالتباين وعدم الاتزان  وذلك لاتصاله  بالثقافة الغربية . ثم  سرعان ما تعمل أبنية المجتمع الإجتماعية على الوصول بالمجتمع الى حالة التوازن والتكامل.

التغير الإجتماعي بهذا المعنى عملية يمكن ملاحظتها ويمكن قياسها . يأخذ القياس  شكلين رئيسيين:  كيفي وكمي. إذ  تدخل في مجال القياس مؤشرات متعددة ومتنوعة،  يتصل بعضها بالفكر وبالفلسفة وبالأدب والفن والعلم الخ . ولن يتم في هذه الورقة التعرض للجوانب

التي تتصل بالعقل وبالفكر،  وسيشار فقط إلى مؤشرات بارزة يمكن قياسها أمبير يقيا بواسطة التعرف على مؤشرات تقدر كمياتها . لذلك يمكن القول أنه عند حصر مؤشرات التحديث على مستوى المجتمع يأتي ذكر  المباني الحديثة، على شكل وحدات سكنية وأسواق وخدمات، وكذلك الطرق ووسائل الاتصال المختلفة ، وأيضا المؤسسات العامة، مثل المدارس والمستشفيات والمعسكرات، وأجهزة المحافظة على الأمن، والمؤسسات الاجتماعية، ودرجة تركز هذه المؤسسات  في مراكز حضرية، تجتذب نحوها سكان الريف . كما يأتي ذكر   وسائل ومعدات الإنتاج، مثل الورش والمصانع بأنواعها، والدور الذي تلعبه في تغيير نمط العمل السائد، وكذلك انتشار أنواع معينة من السلع ، وتأثير كل هذا على انتشار أنماط سلوكية تتمحور حول الشراء والاقتناء ، ويشكل ما يسمى بنمط الاستهلاك . يشير التحديث على مستوى المجتمع إلى مختلف مكونات مكان العمل من مكتب وخلافه ، ومكونات المسكن أو المنزل ، وما يتصل بهذا من قواعد وبرامج وعادات تنظم حركة الأفراد في داخل هذه الأماكن.  كما يشير المفهوم إلى مكونات الثقافة والعلوم والمعارف التي تتصل بالفكر . بينما تتمحور مؤشرات التحديث على مستوى الشخصية، حول خصائص تتصل بالمقدرة على التكيف مع متطلبات الحياة العصرية، وما يتعلق بها من سرعة في التغيير والتجديد،  وما يرتبط بهذا من طرق ووسائل وكيفية التعامل مع أنساق القيم الجديدة ، وما ينتج عن كل هذا من آراء ومواقف واتجاهات.

 لكل ما تقدم يمكن القول بأن الحداثة  تعني عملية  انتقال من نمط معرفي يعتمد بدرجــة كبيـرة على احترام  التقاليد والأفكار القديمة، والتفسيرات الغيبية والأسطورية، لمعظم ما يصادفه الشخص في يومه من قضايا وأنشطة ومشكلات، إلى نمط معرفي يوظف العقلانية توظيفا واسعا، ويستعين بنتائج المعرفة العلمية وتوظيفاتها التفافية في التعامل مع ما يصادفه المرء في يومه من قضايا وأنشطة ومشكلات.   تعكس التفسيرات نمط العقلية التي يعبر عنها من خلال أنماط التفكير ، التي تترجم بدورها إلى أنماط سلوك. ليست العقلانية حالة جامدة، ولا كم محدود، وإنما هي توظيفات تكثر وتقل، وتتوحد وتتنوع، فهي  درجات كثيرة . لذلك يمكن تطوير مقياس لها ، ويمكن قياس درجات الأفراد على مثل هذا المقياس. ويتطلب بناء مقياس من هذا النوع  تضمين فقرات تتصل بمكونات لها علاقة بالنقاش والنقد والتحليل، إلى جانب مكونات تعكس درجة ثقة عالية في نتائج المعرفة العلمية، وفي توظيفاتها

العملية، وفي المقدرة على التجريب، والمقارنة بين النتائج المختلة، وتعديل الرأي في ضوء الحقائق الجديدة .


رابعا : أهم الاتجاهات البحثية والإشكاليات التي طرحتها الدراسات
       الليبية التي تنظر للعلاقة بين التعليم والتغير الإجتماعي

          تنحصر الدراسات الليبية التي تربط بين التعليم والتغير الإجتماعي  التي سنوليها اهتماما في هذه الورقة  في تلك التي قام بها متخصصون في علم الإجتماع . لا يعني هذا  أن جميع الدراسات الليبية التي نظرت الى العلاقة بن التعليم والتغير الإجتماعي تقع  بالضرورة في داخل مجال علم الإجتماع . فقد تكون قد أجريت دراسات من هذا النوع في مجالات أخرى. لكن تحديد المجال المعرفي في رأينا أمر ضروري لتقديم صورة أقرب للواقع . فتقديم تقييم مناسب لجميع الدراسات بغض النظر عن المجال المعرفي أمر تحف به مخاطر كثيرة .  فتقييم مختلف الدراسات في مجتمع واحد  يتطلب مجهودا كبيرا قد يتجاوز امكانية باحث واحد خصص له وقت محدود . قد يقع من يقوم بمثل هذا في فخ الإستنتاجات المتسرعة ، والتعميمات التي  لا تستند الى تبريرات  كافية .  فتأتي الأحكام أقرب الى الرأي الشخصي منها الى تقديم ملخص يعكس الواقع الموجود فعلا في الدراسات المعنية.  ثم إن عدد المتخصصين  في علم الإجتماع في ليبيا صغير، وعدد الدراسات التي قاموا بها وتعرضت الى التعليم والتغير الإجتماعي محدود أيضا وحديث نسبيا، مما يجعل  الحديث عنها بواقعية أمرا ليس صعبا.

لقد انطلقت هذه الدراسات من أطر نظرية واضحة المعالم ، فالمفاهيم واللغة المستخدمة تكشف الإطار النظري الذي تنطلق منه الدراسة . وتفصح التساؤلات البحثية عن الإشكاليات التي سيتم تسليط الضوء  عليها ، وتشير الى  الإتجاهات التي يتجه نحوها البحث . وستستعرض الدراسات التي عالجت العلاقة بين التغير الإجتماعي والتعليم وروجعت لإعداد  هذه الورقة من خلال عدد من المحاور تلخص في التالي :


1 ـ دور الدولة في التعليم
2 ـ علاقة التعليم بالحراك الإجتماعي
3 ـ العلاقة بين التعليم وتغير القيم
4 ـ العلاقة بين التعليم والفواعل الإجتماعية الأساسية




1 ـ  دور الدولة في التعليم

       التعليم الذي كان سائدا قبل مطلع القرن العشرين هو التعليم الديني والذي كان محدودا من حيث الإنتشار ومن حيث المستوى . وقد تمسك هذا النوع من التعليم بالثوابت التي عرفها هذا المجتمع خلال عصور كثيرة . لكن التعليم الذي يمكن ربطه ضمن متغيرات أخرى بالتحولات الإقتصادية  والإجتماعية التي عرفها سكان هذه المنطقة هو التعليم الحديث أو العصري الذي كانت انطلاقته مع انسحاب إيطاليا من ليبيا في مطلع أربعينات القرن العشرين.   كانت البداية جد متواضعة ، لكن التقدم كان سريعا حيث أخذت الأعداد تتضاعف بسرعة ، ودخلت الفتاة المدرسة، وفتحت مختلف المعاهد وفروع المعرفة ومستويات التعليم بما في ذلك الجامعي والعالي . وكما توضح أرقام نفس الجدول فان المعدلات العددية للتعليم بمختلف مجالاته أصبحت  في نهاية هذا القرن تضاهي مثيلاتها  في أكثر المجتمعات تقدما في هذا المجال،  بما في ذلك نسبة الإناث التي بلغت في العام 1995 ( 48%) من مجموع جميع الطلبة المسجلين في جميع مستويات التعليم ( جدول رقم 1 ).

         أولت الدولة حديثة التكوين  اهتماما كبيرا نحو بناء ونشر مختلف مؤسسات  المجتمع الحديث . لكن بساطة الإمكانات المادية جعلت سرعة الإنشاء والتعمير والنشر بطيئة،  تضاعفت فيما بعد   عندما أخذ  ريع بيع النفط يتدفق على خزينة الدولة. لقد بدأت المحاولات الأولى للتخطيط لتأخذ شكل برامج تنموية  بسيطة ومحدودة منذ منتصف الخمسينيات، إلا أن أول خطة متكاملة هي  الخطة الخماسية التي ظهرت  في العام 1963 ، ورصد لها حوالي مليار دولار أمريكي .  وهذا مبلغ ضخم جدا إذا علم أن أول ميزانيــة لدولــة حديثة الاستقلال لم تتجاوز الخمسة والثلاثين مليون دولار. وتبقى مخصصات الخطة الأولى جد

متواضعة عند مقارنتها بالخطتين اللتين تليتا،  الأولى وهي ثلاثية للسنوات 1973 / 75  التي تجاوزت مخصصاتها السبعة مليار دولار ، والثانية وهي خماسيــة للسنوات 1976 / 80 التي تجاوزت ما رصد لها الواحد والعشرين مليار دولار( التير ، 1992 : 273 ـ 283). ثم تتابعت الخطط الخمسية فيما بعد  ، وإن تدنت مخصصاتها بسبب تدهور سعر النفط الخام،  والحصار الذي فرض على البلاد .

       لقد بذلت مجهودات كبيرة  لتحقيق تقدم ملموس في جميع المجالات التي لها علاقة بتحسين ظروف معيشة الفرد ، وخصوصا مجالات التعليم والصحة، والطاقة والإسكان وطرق ووسائل الاتصال، وميكنة الزراعة، والصناعات الخفيفة والثقيلة ، والتوسع في استخدام السلع الاستهلاكيـة المعمرة الخ…. جميع هذه مؤشرات  امبيريقة يمكن مشاهدتها ويمكن قاسها . ففي مجال التعليم مثلا تتمثل هذه المؤشرات في عدد المدارس وأنواعها، وعدد الفصول، ومستويات التعليم، وعدد الدارسيـن في كل مرحلة ونسبهم للعدد المقابل حسب آخر تعداد عام
للسكان ،  وعدد المدرسيــن . وتتمثل في مجال الصحة في عدد المستشفيات والمصحات، ومدى انتشارها  أو تركزها ، ومعدلات الأسرة في المستشفيات، ومعدلات الأطباء والممرضات . وتشير المؤشرات في مجال الإسكان إلى عدد الوحدات السكنية المنجزة سنويا، ومعدلات الزيادة، ومدى توفر الشروط الصحية في هذه الوحدات من ماء الشرب والكهرباء والصرف الصحي. وتعني المؤشرات في مجال وسائل الاتصال أطوال الطرق المعبدة، وكمية المنجز منها سنويا ومستوياتها، وعدد السيارات العامة والخاصة، ومعدلات انتشار خدمات الهاتف  وهكذا . لقد حققت البلاد تقدما كبيرا بالنسبة لجميع هذه المؤشرات الإمبيريقة التي يمكن التفكير فيها ( التير ، 1992 : 290 ـ 310  ؛ المسح العربي لصحة الأم والطفل ، 1997 : 22 ـ 42 ؛ التعداد العام للسكان، 1995 : 31 ـ 49  ) . وهو تقدم انتشر فعم جميع أجزاء البلاد بما في ذلك القرى الصغيرة وحتى النائية . فالطرق المعبدة والكهرباء وخدمات الهاتف والوحدات السكنية الحديثة وصلت لكل تجمع استيطاني مهما صغر حجمه،  ومهما ابتعد عن ساحل البحر. وتوضح البيانات الواردة في الجدول رقم ( 3 ) بعض المؤشرات التي تعكس أهم ما أنجز في هذا المجتمع وله علاقة بتحديث المحيط . وتفيد التقارير الرسمية إلى أن في عدد غير صغير من بلدان العالم الثالث لا تتجاوز نسبة الذين يحصلون على مثل هذه الخدمات في الريف عن العشرة في المائة . لذلك عند مقارنة هذه

المؤشرات عالميا يتضح أن ليبيا أصبحت ضمن بلدان الصف الأول (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 1998 : 21 ) .

        اهتمت الدراسات الليبية التي ربطت بين دور الدولة والتعليم والتغير الإجتماعي ببيان مجهودات الدولة في نشر التعليم أفقيا وعموديا ، وافترضت أنه كلما ارتفعت درجة تعليم الفرد ارتفعت درجته على مقاييس حداثة الشخصية، وافترضت أنه كلما تكاثرت الشخصيات التي تتصف بالحداثة  في المجتمع ، ارتفعت درجة تحديثه  ، أو تغيره الإجتماعي (التير ، 1980 ؛ الهمالي ، 1986  الترهوني ،2000  ). وقد بذلت في جميع هذه الدراسات محاولات للربط بين ن مستوى التحديث المادي والتحديث على مستوى الشخصية  ، وهو ربط يستند الى فرض رئيسي يقول : سيؤدي  التغيير المادي الذي تقوده الدولة بواسطة برامج التنمية  في النهاية إلى تغيير نسق قيم الأفراد بحيث تتغير شخصياتهم من النمط التقليدي إلى النمط الحديث. لقد استخدمت جميع هذه الدراسات مقياسا سمي بمقياس الشخصيــة الحديثــة تأثرت نسختـه الأولى بذلك الذي طوره الباحـثان أتكلس وسميث   ) Inkeles and Smith, 1974 ). ثم أدخلت عليه فيما بعد  تعديلات للارتفاع بدرجة ملاءمته للبيئة الليبية .

         لم تتعرض هذه الدراسات لمحتوى التعليم ولا الى السؤال الذي يمكن أن يطرح والمتعلق بدور التعليم في  اعادة انتاج الموجود. اكتفت هذه الدراسات بمعاملة التعليم معرفا بالشهادة كمتغير مستقل أو متغير متداخل . وتقاربت نتائج هذه الدراسات من حيث أهمية الدور الذي يلعبه التعليم العصري في تكوين شخصيات لها خصائص تقارب تلك التي تعارف عليها علماء الإجتماع  وربطوها بنمط الشخصية الحديثة .


2 ـ  علاقة التعليم بالحراك الإجتماعي
     الحراك الإجتماعي قد يكون رأسيا بمعنى الإنتقال من مستوى اجتماعي الى مستوى مختلف سواء الى أعلى أو الى أسفل ، وقد يكون  أفقيا بمعنى الإنتقال جغرافيا وفي هذه الحالة كان يعني في الغالب الإنتقال من الريف الى المدينة. لم تهتم الدراسات الليبية بالنوع الأول من


 الحراك الإجتماعي، لكن النوع الثاني حظي باهتمام واضح (التير، 1983 ،1996أ؛ الزوي، 1999 ) ، و  (Attir,1983;1994;Blake,1994;Elkabir,1980) .

     كان التعليم من بين أهم المتغيرات التي وجدت هذه الدراسات أنه له علاقة بحركة السكان وهي علاقة سارت في اتجاه واحد ،  أي من الريف الى المدينة . لقد ظهر واضحا من نتائج هذه الدراسات أن الذي يحصل على بعض التعليم ترتفع درجة احتمال تغييره لموقع عمله ولمكان اقامته . لكن لابد من الإشارة أن هذا المجتمع شهد حركة انتقال للسكان على نطاق واسع خلال الخمسين سنة الأخيرة ( جدول رقم 3 ) . عندما بدأ النصف الثاني من القرن العشرين كان أكثر من ثلاثة أرباع الليبيين يسكنون الريف ويشتغلون بالزراعة ، وقبل أن ينته القرن تغير الوضع وأصبح ما يقرب من الثمانين بالمائة من السكان يقطنون المدن .
لقد حدثت الهجرة من الريف الى المدينة على دفعات. قد لا يكون للتعليم بالدفعات الأولى أي علاقة . فعندما بدأ النشاط المتعلق بالبحث عن النفط تركزت الأنشطة الإقتصادية   الجديدة في المدن وفتحت أبواب جديدة للعمل لا تشترط أي مستوى من التعليم . لذلك كانت غالبة أعضاء الهجرات الأولى من العمالة غير الفنية مصحوبين بأسرهم مما قاد الى ظهور أحزمة الفقر حول كل مدينة كبيرة. لكن كلما ارتفع الدخل من بيع النفط تقلصت هذه الأحزمة حتى زالت بالكامل ابتداء من مطلع السبعينات من القرن العشرين . لكن يمكن القول أنه كلما ارتفعت درجة تعليم الفرد،  ارتفعت درجة حبه للعيش في المدينة.

     لا يعني عدم الإهتمام بالنوع الأول من الحراك أنه غير مفيد أو غير ممكن أو لا يقع ضمن نطاق اهتمام المتخصصين في علم الإجتماع ، لكن قد يكون الخوف من الوقع في المحظور أو نطاق الدوائر الحمراء هي التي جعلت الباحث الليبي يبتعد عن هذا المجال . لذلك بقيت هذه البيانات غائبة في نتائج الدراسات الليبية. 


3 ـ  العلاقة بين التعليم وتغير القيم

          القيم والمعايير ركن أساسي من أركان النسق الثقافي ، ولكل ثقافة قيمها ومعاييرها . ومع أن بعض القيم يشترك فيها الناس على اختلاف أماكن تواجدهم ، إلا أن قيما أخرى تخص كل جماعة بشرية وبذلك تميزها عن غيرها من الجماعات . ولأن الثقافات تؤثر وتتأثر بغيرها فان القيم والمعايير كأحد أركان الثقافة تتأثر بهذه الحركة فتتغير . كما أن تغير  هذه القيم والمعايير قد يحدث بفعل عوامل داخلية كما يحدث في حالة التعامل مع التقانة مثل، أو بعبارة أخرى محاولة التلاؤم مع مظاهر التغير المادي. فالتطور التقني مثلا يتطلب تغييرا في القيم . فنتاج الصناعة مواد جامدة معدة لاستخدام البشر ، وعندما تستخدم، فإنها ستستخدم في مجالات واسعة وبأشكال متعددة ، وبالطبع هذه المجالات ستطال العلاقات الاجتماعية. وقد اهتمت بعض الدراسات الليبية برصد التغير الذي حدث على نسق القيم، وانقسمت من حيث الإهتمامات الى :

أ ـ تداخل قيم الحداثة مع التقليدية 
لا شك أن المجتمع الليبي يمر خلال السنوات الخمسين الأخيرة بمرحلة تغير على نطاق واسع ، يبدو هذا في التغيير الذي حدث على المحيط والإمكانيات ونمط معيشة الأفراد . وطال هذا التغير  النسق الثقافي  . فثقافة المجتمع ليست محصنة ضد التغير والتبدل.  لكن يلاحظ أن حجم وسرعة التغير في الجوانب المختلفة  للثقافة ليست واحدة، وأن استجابات الأفراد للتغير ليست متساوية ، فحين يقبل بعض أعضاء نفس المجتمع على القيم الجديدة ، يحرص آخرون على التمسك بالقيم القديمة  ، بينما يميل البعض الآخر إلى الخلط بين الجديد والقديم . تنعكس هذه الاختلافات على أنماط السلوك ، وقد رصدت  بعض دراسات التحديث الليبية هذه الاختلافات كما تتمثل في مؤسسات وأبنية اجتماعية معينة كما حدث في تلك التي حاولت التعرف على هذه الاختلافات في مجال مؤسسة الزواج والبناء الأسري ( الزقوزي ، 1962، جدور ، 1996 ) .  وقد أمكن التمييز بين الأفراد سواء بالنسبة للسلوك أو الآراء بناء على مستوى التعليم . تم هذا التمييز على المستوى الإحصائي . بالطبع يمكن القول أن عوامل أخرى قد تكون هي المسئولة عن الإختلافات بين الفئات وخصوصا وأن العلاقة بين التعليم والمتغير التابع وهو التحديث قيست على مستوى تحليل المتغيرين فقط.  أي لم تستخدم التقنيات الإحصائية المتوفرة لتحييد أثر عدد من المتغيرات التي يمكن التفكير فيها. 




ب ـ تخلخل القيم واختيار طرق غير معيارية للوصول إلى الأهداف الثقافية

أقبل الليبيون  ـ عندما أتيحت لهم الفرصة ـ بنهم على استخدام  والاستفادة من مختلف مقومات الحياة الحديثة . اقتنوا المنتجات الصناعية الحديثة ، وتعودوا  في شئ من السرعة على التعامل مع الكثير منها . واقترن هذا النشاط  بانتشار واسع للتعليم ، وبارتفاع مستوى الخدمات الصحية والسكنية ، والتوسع في مشاريع الزراعة والصناعة ، وتطوير قطاع الاتصالات والمواصلات.  وقاد هذا إلى تقدم مكانة القيم المادية ، والى ارتفاع مستوى الطموحات ، والرغبة الشديدة لتحقيق النجاح المادي . بالطبع  أدى هذا  إلى ظهور قيم جديدة، وتحوير قيم قديمة، للتعامل مع أنماط سلوكية جديدة . ويتوقع ـ كما حدث في مجتمعات أخرى ـ  أن تكون سرعة  التغير في مجال القيم  أكبر  من مقدرة بعض أعضاء المجتمع على التكيف مع ما قد يشار إليه بنظام حياة جديدة  . وبعبارة أخرى قد يفشل بعض أعضاء المجتمع في مسايرة نمط التغير في نسق القيم. إذ لا يستجيب الجميع  لتغير القيم بنفس الكيفية.  بل أن البعض يحاول التمادي في التمسك بالقديم ، بينما تلجأ الغالبية إلى خلط القديم بالجديد. وقد يقود كل هذا إلى أن يفشل البعض في التعرف على القيم المناسبة . وهنا تضطرب الأمور،  وتظهر على السطح أشكال كثيرة من أنماط السلوك، التي تبدو وكأنها صادرة عن حالة من حالات الارتباك والاضطراب في التمييز بين المشروع والممنوع . وقد يلجأ البعض إلى ممارسة كل ما يرونه كفيلا بتحقيق طموحاتهم وأهدافهم، دون التفكير كثيرا فيما إذا كان هذا يتعارض والقيم التي كانت سائدة وتلك التي تحض على حسن الخلق .  وقد حاولت أكثر من دراسة التحقق من هذا الفرض العام الذي تمت ترجمته بطرق متعددة ومن بينها تلك التي سلطت الضوء على نمط من السلوك المنحرف أخذ في الانتشار أخيرا بحيث صار يهدد العملية التعليمية ونقصد به الغش في الامتحانات  ( التير وأميمن ، 2001 ) . فهذا النوع من

أنماط السلوك عرف في أكثر من مجتمع وخلال اكثر من زمن. وقد اهتم بدراسته عدد كبير من الباحثين الذين حاولوا الربط بين نمط السلوك هذا وعدد من العوامل الذاتية للطالب . لكن الدراسة الليبية مسترشدة بأطروحة دوركايم المتعلقة بانتشار الأنومي وما أدخل عليها من تطويرات فيما بعد على يد ميرتون وعدد من طلابه حاولت التفتيش عن الأسباب في داخل البناء الاجتماعي بصفة عامة، ونسق القيم فيه بصفة خاصة . حيث تتغير بعض مكونات نسق القيم فتصبح بعض أنماط السلوك التي كانت غير مقبولة، ويجرمها القانون عادية في نظر بعض الأفراد الذين تعنيهم  (Mreton,1968; Clinard,1971) .

لقد صار خلال  السنوات الأخيرة  التأكيد أكثر من اللازم  على النجاح المادي، وصاحبت هذا التأكيد   حملة اعلامية واسعة النطاق،  تقلل من شأن الكثير من القيم والمعايير المتعارف عليها  بحيث وصفت بالتقليدية والرجعية ، واتهمت بعرقلتها لحركة التحول الثوري.  مما أدى الى حدوث بلبلة عند الكثيرين بحيث أصبح التمييز بين المستحب والمستهجن، المقبول والمنبوذ أمرا غير واضح ، وانتشرت ميكانزمات تبرير الكثير من الأخطاء والكثير من مظاهر الإنحراف بين مختلف شرائح المجتمع. 


ج ـ اختفاء بعض القيم التقليدية التي حافظت على تماسك البناء الإجتماعي

ترى  نسبة كبيرة من الذين يتولون مهمة قيادة مسيرة تحديث المجتمع في الكثير من مجتمعات العالم الثالث بأن المجتمعات التقليدية عندما تبدأ مسيرة التحديث ، يجب أن تتخلص تدرجيا من مظاهر ذلك المجتمع القديم، لتأخذ بمظاهر المجتمع الحديث. ويبدو أن نسبة لا بأس بها من الذين يعنيهم هذا الأمر في المجتمع الليبي يأخذون بهذا الرأي.  المظاهر المادية للتحديث أيسر من حيث  الاستعمال والاستيعاب ، لذلك يتم استيرادها والأخذ بها . وعندما تتوفر الإمكانات المادية تكون عملية الاستيراد والانتشار أسهل . ويبدو أن هذا هو الذي حدث في حالة المجتمع الليبي . لكن وكما ذكر في مكان سابق فان الكثير من مظاهر التحديث المادي ترتبط بها قيم مخالفة لتلك السائدة في المجتمع الليبي التقليدي . بالطبع ليست جميع القيم الثقافية متساوية من حيث المكانة . ففي حالة هذا المجتمع توجد قيم تتعلق بالثوابت كتلك

المتصلة مباشرة بالدين. وهذه تظل ثابتة وان حدث تحويرات عليها فإنها تكون في عدد من الأنماط السلوكية الفرعية ، أو تكون تحويرات محدودة وفي نطاق ضيق . لكن توجد في نفس الوقت قيم أخرى تحتل مكانة أدنى من حيث درجة تمسك الأفراد بها ، وهي المعرضة قبل غيرها للتضحية بها ، على الرغم من أن  بعضها قد تكون له وظيفة هامة مثل تلك المتعلقة بتقوية  التماسك والتضامن الاجتماعي.

أجريت دراسات حول سكان الواحات المنتشرة في الصحراء بهدف التعرف على مظاهر التغير الإجتماعي وقياس درجات قوتها  ( التير ، 1991 ؛ 1996 ب). فالصحراء الليبية واسعة ، والحياة فيها صعبة ، ولكنها  ليست خالية تماما من السكان إذ  تقيم نسبة صغيرة من سكان هذا المجتمع  في واحات صغيرة ضمن وديان قديمة .  ولأن الواحة مكان بعيد والى حد ما معزول ،  فقد طور سكانها بناء اجتماعيا يتسم بدرجة قوية من التماسك والتضامن. لا يعني هذا أن جميع سكان الواحة ينتمون إلى أصل واحد كالانتماء لقبيلة واحدة مثلا. فقد  يعيش في نفس الواحة أفراد ينتمون إلى عدد من البطون التي ينتمي كل واحدة منها لقبيلة  ، أو إلى أكثر من جماعة إثنية . وطور أهالي كل واحة مجموعة من التقاليد والأعراف التي تبين بوضوح تام طبيعة العلاقات بين جميع السكان على اختلاف انتماءاتهم واختلاف أعمارهم . ويحافظ الجميع على أن يتعلم الصغار طبيعة هذه العلاقات وأن يحترمها. إلا أن رياح التحديث ذات الطابع السريع هبت على الواحة الليبية وغيرت خلال سنوات قليلة الكثير من معالمها الفيزيقية والاجتماعية والثقافية. ولعل أهم ما وصلت إليه الدراستين المشار اليهما آنفا  أن الجيل الجديد  يرفض  التقاليد والأعراف التي حافظت على تماسك البناء الاجتماعي لقرون طويلة . لذلك ظهرت مؤشرات الانحراف وأخذت أشكالا مختلفة، وتقلص عدد  مناسبات التكافل الاجتماعي بعد أن أصبح كل فرد يهتم بمصالحه الشخصية فقط ، وتغيرت تركيبة العلاقات بين الفئات بسبب التعليم  وطبيعة العمل والاستحواذ على السلطة السياسية المحلية. ويبدو أن التعليم لعب الدور المهم في ظهور ما يمكن أن يسمى بشعور الفردانية  المتمحور حول تقديم المصلحة الشخصية ، لكن يصعب نسبة تغيرات أخرى  الى التعليم .  فمثلا ظهر واضحا بأن القيادات التقليدية تخلت عن أماكنها لصالح أخرى أتت في اغلب الأحيان من فئات كانت تاريخيا مسبوقة اجتماعيا . ويبدو أن السبب الرئيس لهذا يرجع الى لصفة الولاء للأيديولوجية الثورية  وليس للتعليم. فقد استفادت جماعات كثيرة من التغير

الثوري الذي حدث في البلاد  فتسابقت الى إظهار علامات التأييد ،  والإلتفاف حول القيادة السياسة الجديدة عن طريق الإنتماء لما أصبح يعرف بحركة اللجان الثورية . ومع أن الفلسفة المعلنة لهذه الحركة بأن يقتصر نشاط أعضائها على التحريض بهدف نشر فكر الثورة، ومراقبة التطبيق ،  وألا يتولون المناصب التسييرية. لكن  الذي حدث هو العكس تماما ،  بحيث تم تجاوز التعليم والخبرة والسن لصالح الإنتماء في تولى المناصب القيادية . بالطبع لم تقتصر هذه الظاهرة على مواقع القيادات التقليدية في الواحة وإنما شملت كل مكان، وكل مستوى وطالت حتى قيادات التعليم والثقافة ، بحيث تولى في يوم من الأيام طلبة  لم يكملوا التعليم الجامعي أو العالي  مسئولية رئاسة الجامعة وتولوا  مناصب عمداء كلياتها  ومسئولية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ومسئولة وزارة الثقافة . 

لم تتجاوز نتائج الدراستين المشار اليهما آنفا حدود الوصف ، ولم يتم التعرض لما سيحدث مستقبلا وهل يمكن للتعليم أن يكون له شأن في مجال كان للتعليم أثره الواضح ليس في حالة المجتمع الليبي القديم ولكن في حالة مجتمعات تمتعت مؤسساتها وأبنيتها الإجتماعية بحالة استقرار لفترة زمنية طويلة .

4 ـ العلاقة بين التعليم والفواعل الإجتماعية الأساسية
عدد من الدراسات الليبية التي تضمنت نقاشا حول العلاقة بين التعليم والتغير الإجتماعي نظرت الى هذه العلاقة من زاوية التأثيرات التي قد تكون حدثت على مكانة ودور بعض الفواعل الإجتماعية . وقد اهتمت هذه الدراسات بفاعلين أساسين  القبيلة والمرأة ( الزوي ، 1998، 1999 ) و   ( Attir,1985 ) .

تحتل القبيلة مكانة هامة في البناء الإجتماعي الليبي ،  وكانت على مر العصور هي المحور الذي تنتظم حوله مختلف الأنشطة بما فيها السياسية والإقتصادية وحتى القضائية . يرتبط الفرد بالقبيلة ارتباطا قويا وتتأثر جميع أنشطته بمكانته في داخلها ، ويزاول مختلف الأنشطة تحت رعايتها ووفق قواعدها الغير مكتوبة . عندما كانت ليبيا جزء من الإمبراطورية العثمانية لم يتحكم العثمانيون إلا في أمور محدودة وحتى هذه كانت القبائل الليبية تتنصل منها


من حين الى آخر فتنشب معارك بين بعض القبائل والسلطة العثمانية ومن يواليها من قبائل محلية.

     تخضع العلاقات بين القبائل الى مجموعة من الأمور من بينها ملكية الأرض ، والحدود ، والمكانة الإجتماعية في سلم تتدرج فيه القبائل ، والإتفاقات والمعاهدات المكتوبة وغير المكتوبة الخ.. وتدخل القبائل مع بعضها في صراعات وغزوات وفي حروب .  وعندما غزت إيطاليا البلاد تصدى لها الليبيون من خلال تنظيماتهم القبلية . وقد وظف الإيطاليون بعض العداوات التي كانت قائمة بين بعض القبائل لصالحهم . فحارب بعض الليبيين الى جانب الإيطاليين . لكن هذه التركيبة الإجتماعية خضعت للكثير من التأثيرات الخارجية متمثلة أولا في فرض النظام الإداري الحديث ،  ونظام العمل الحديث وما يتصل به من أنشطة اقتصادية ، والإنتقال الى المدينة ، ثم التعليم. ولكن بعد أن انتشر التعليم على مستوى واسع أصبح البعض يعزو الكثير من التغيرات التي طرأت على بنية القبيلة ومكانتها ودورها للتعليم . فالذين حصلوا على نصيب كبير من التعليم انتقلوا الى الإقامة بعيدا عن أرض القبيلة ، وتولوا مواقع عمل حديثة ، وتبنوا نمط حياة لا يسمح للقبيلة بالتدخل فيه . لكن الدراسات الليبية  في هذا المجال تؤكد على أن الولاء القبلي قوي . هل يؤثر هذا الولاء على كيفية تأدية الأفراد لواجباتهم ؟ وهل يعمل كعنصر ايجابي أم  عنصر سلبي في سبيل بناء الدولة الحديثة ؟  وما تأثيره على نمو شعور المواطنة ؟ هذه الأسئلة وغيرها مما قد تثار لم تتطرق اليها الدراسات المشار اليها آنفا .

ومن ناحية أخرى وكما هو الحال في عدد من الأقطار العربية  التي تحكمت فيها التقاليد القديمة ، فقد كان للمرأة الليبية عبر التاريخ  وضعا خاصا . فالمرأة في البادية وفي الريف لم تعرف الحجاب، ولم تتقوقع في  المنزل ،  ولم تنفصل عن ملازمة الرجل . لكن الأمر اختلف تماما بالنسبة للمرأة الحضرية حيث فرضت القيم التقليدية   وضعا يتميز ببقائها في داخل منزلها ، وبعيدة عن الأضواء ، ومتوارية عن أعين الرجال باستثناء عدد صغير يكاد يقتصر في بعض الأحيان على الأب والأخ والزوج.  فمغادرة المنزل حدثا نادرا  ويتم ضمن طقوس متعارف عليها ، وعمل المرأة أو مساهمتها في الأنشطة المتعلقة باتخاذ القرارات أمر غير قابل  للنقاش أو الاعتبار . وفي ظل التوجه الذي عرفه هذا المجتمع والذي

تميز  بنمو مستمر لحجم المجتمع الحضري وتناقص مستمر في نسبة سكان الريف والبادية ،  فان نسبة الإناث اللاتي خضعن لسيطرة القيم التقليدية  كانت ترتفع من عام إلى آخر . لكن ما أن بدأ التعليم في الانتشار حتى أخذ هذا الوضع في التغير. كانت سرعة التغير في هذا المجال بطيئة ثم أصبحت تزداد سرعة عندما أخذت السلطة السياسية قرارات معينة يمكن تلخيصها في جعل التعليم إجباريا للجميع ، واعتبرت ولي الأمر مسئولا مسئولية مباشرة لتطبيق هذا المبدأ ، ورفعت سن الزواج  إلى ثمانية عشر عاما بالنسبة للفتاة ، وفرضت الزي العسكري والتدريب العسكري على جميع طلبة المدارس ، وفتحت الباب أمام الإناث لدخول مجالات كانت حكرا على الرجال مثل الكليات العسكرية وكليات الشرطة . ومع تكاثر عدد الإناث الحاصلات على تعليم متخصص وتعليم عالى خرجت المرأة من مجال العمل الذي خصص لها أول مرة مثل التدريس والتمريض وأعمال السكرتارية ودخلت مجالات الطب والمحاماة والنيابة والقضاء والإدارة على مستوى المدير ورئاسة مجموعة من الرجال .  فكأن التعليم هو أهم المتغيرات التي أثرت على مكانة ودور المرأة بحيث أصبحت في مرتبة تقترب من مستوى المساواة التامة مع الرجل.

خامسا :  توصيات بحثية حول القضايا ذات الأولوية
          القضايا التي سلطت الدراسات المتعلقة بالتغير الاجتماعي في ليبيا عليها الضوء كثيرة، وقد وجهها إطار نظري واحد يقع ضمن حدود مدرسة التحديث . يمكن القول بأن القضايا التي درست حتى الآن اهتمت بالعوامل التي صاحبت برامج التنمية الاقتصادية الاجتماعية التي نفذتها الدولة ،  وأنها انحازت للجوانب الإيجابية  لحركة التحديث. والذي يراجع برامج التنمية الحكومية في بلدان كثيرة ، يلاحظ أن هذه البرامج قد أدت إلى تغييرات هامة يصلح بعضها أن يوصف بتحديث المجتمع ، وأدت أيضا إلى ظهور ظواهر جديدة لا تنطبق عليها صفة الإيجابية . فبعض هذا النوع الأخير من الظواهر يشكل تهديدا لحالة الاستقرار التي عليها البناء الاجتماعي . بالطبع ليس المقصود هنا أن يظل البناء الاجتماعي في حالة سكون ، فتبدل أحواله أمر ضروري لحدوث التغير . لكن الظواهر المقصودة هنا
بالتهديد هي تلك التي تتسبب في ارتفاع معدل المشكلات الاجتماعية . ومع أن بعض هذه قديمة إلا أن حجمها قد يكبر ليطال نسبة كبيرة من السكان ، كما أن أنواعا أخرى تستجد، وتتسبب في تعقيد عدد من المشكلات القديمة مثل انتشار المخدرات أو أنواع منها .
          ذكرنا أن القضايا التي سلط عليها الضوء في مجال موضوع هذه الورقة درست من زاوية مدرسة التحديث . وبالطبع ليست هذه المدرسة الوحيدة المناسبة لدراسة مظاهر التغير الاجتماعي . ولابد من التذكير بأن اختيار مدرسة نظرية معينة من شأنه أن يفتح الباب أمام الباحث لدراسة قضايا معينة،  ويحرمه في نفس الوقت من الالتفات إلى أخرى تقع في دائرة مدارس نظرية أخرى . فهناك قضايا تناسب التوجه الماركسي وما تفرع عنه من مدارس فرعيـة .  قضايا أخرى يمكن الاهتمام بها لو استخدم الاطار النظري الذي يستند الى مدرسة النسق العالمي بحيث توظف عوامل ذات بعد دولي لفهم ما يجري في داخل مجتمع محلي . ويمكن الإشارة إلى  بعض القضايا التي تحتاج الى أن يعتنى بها في المستقبل  بالبحث والدراسة :

1 ـ نوع التعليم المناسب لإحداث التغيير
استخدم التعليم في الدراسات الليبية كمتغير يعني المستوى الدراسي ، ولم يتم التعرض لمحتوى التعليم  ولا الى نوعه ،   وقد يكون من المفيد القيام بدراسات تتوجه لفحص محتويات التعليم وتقييمها للتعرف على تلك المكونات التي تكون في المستقبل مسئولة عن أحداث التغيير. كما أن طبيعة العلاقة بين التلميذ والمعلم  وما يمكن تسميته بتكميم الأفواه، والمتمثلة في إصدار الأوامر والتعليمات من قبل المدرس والسمع والطاعة من قبل التلميذ، تستحق هي الأخرى الإهتمام . وما هو تاريخ هذا النمط من العلاقة ؟ وهل هو سبب أم نتيجة؟  وما علاقة هذا النمط من طريقة التعليم على تكوين شخصيات ذات صفات معينة ؟ وهل لهذا ارتباط بغياب الديموقراطية في سلوك الشخص العربي ؟ وما علاقة هذا بما يمكن أن يسمى بنمط الشخصية الحديثة والتي ستكون مسئولة عن أحداث تغييرات اجتماعية من نوع التحديث؟
وما هو نوع التحديث الذي كان سيحدث لو اتصفت العملية التعليمية بالديموقراطية بدلا من الدكتاتورية؟. 
2 ـ تسيطر على الحياة السياسية والإجتماعية وعلى مدى ثلث قرن أيديولوجية ثورية ذات خصائص معروفة . ما تأثير طبيعة هذه الأيديولوجية على شكل التغير الإجتماعي الذي عرفته ليبيا خلال الحقبة الأخيرة ؟ ويتعلق بهذا خلفيات الأفراد الذين يتجمعون في شكل جماعات تتحلق حول المركز الذي تنطلق منه هذه الأيديولوجية ، فما تأثير هذا التحلق على الحراك الإجتماعي ،  وتغير خلفيات الجماعات التي تحتل المراكز الإجتماعية العليا؟  ويقع ضمن هذا الإطار تتبع التغيرات التي قد تكون قد  طرأت على العلاقات التقليدية بين القبائل وعلاقتها بتوزيع القوة في المجتمع .  وهل يؤثر موقع القبيلة على السلم الإجتماعي على دور التعليم سواء على مستوى الفرد أو مستوى المجتمع . وبعبارة أخرى هل  تتدخل القبيلة  في طريق توظيف التعليم فتعرقل دوره في المجتمع  ؟

3 ـ طور الفرض القائل :  بأن التعليم يؤدي الى تغير القيم ، وأن هذا سيساعد على تكوين شخصيات حديثة ، وأن هذه الشخصيات هي التي ستقود الى تحديث المجتمع أي الى التغير الإجتماعي  وهذه تقود الى التحديث في المجتمع الغربي . وهو مجتمع الإقتصاد الرأسمالي، الذي يسمح بالمنافسة الحرة دون القيود التي يفرضها مبدأ  ( الولاء قبل المعرفة ) . الى أي مدى تناسب خصائص المجتمع الليبي توظيف هذا الفرض ؟

4 ـ تفترض نظرية التحديث أن الإعلام والتعليم  من بين أهم المتغيرات التي تقود الى تحديث المجتمع . وبالطبع طورت نظرية التحديث في الغرب الرأسمالي. لذلك يقترح البعض أنه لكي يكون لهذين المتغيرين أثر هام لابد من توفر أهم خصائص  المجتمع الرأسمالي خصوصا تلك المتعلقة بحرية التعبير بعيدا عن متابعة أجهزة الأمن ،  والمنافسة الحرة بعيدا عن قيود الولاء قبل المعرفة . لذلك يشكك البعض في مشروعية الاعتماد على هذين المتغيرين في مجتمعات العالم الثالث التي حرية الرأي فيها تختصر في عبارة ( سيروا ونحن من ورائكم ) ، ويستعاض عن الولاء للوطن ولمؤسساته بالولاء للحاكم الفرد الذي تغدق عليه جميع الصفات التي تكاد أن تجعله منزلا من السماء. ومع أن بعض أولى دراسات التحديث أجريت في عدد من بلدان العالم الثالث ، إلا أن هذه القضية تصلح لأن تكون إشكالية بحثية .   



5 ـ جرت في ليبيا أكثر من مراجعة لبرامج التعليم، وأدخلت  في كل مرة تغييرات جذرية. المراجعة الأولى سميت بتأنيث التعليم وكانت تعني تولى الإناث مهمة تدريس طلبة التعليم الإلزامي والذي يدوم تسع سنوات . المراجعة الثانية سميت بالبنية التعليمية والتي تلخصت في إيجاد عدد كبير من الثانويات التخصصية بلغت 24 نوعا من الثانويات. تولت كل ثانوية مهمة إعداد الطالب ليدخل في تخصص جامعي معين . تأثير هذه التغيرات على بناء الشخصية والتي ستتسبب في المستقبل في التغير الإجتماعي تستحق أن يتوجه نحوها النشاط البحثي. 

6 ـ يلعب الاقتصاد دورا هاما في حياة الأفراد ومن ثم رسم خريطة للتكوين الاجتماعي وبنية الطبقات . ولأن أفراد المجتمع لا يتساوون ـ على الرغم مما يرفع من شعارات ـ من حيث علاقتهم بالموارد الاقتصاديـة المتوفرة في المجتمع . توجد في كل مجتمع فوارق  بين
أبنائه في هذا المجال . وعليه ينقسم المجتمع إلى فئات متباينة بحسب ما يتوفر لأعضاء كل فئة من دخل مادي ، بحيث توجد هوة اقتصادية بين كل فئة وأخرى .  صحيح أن المجتمعات تختلف من حيث حجم الهوة الاقتصادية بين الفئات . إذ توجد مجتمعات حجم الهوة فيها كبير
وتوجد أخرى الفوارق بين الفئات ليست كبيرة . كما توجد مجتمعات حجم الهوة الاقتصادية بين كل فئة وفئة فيها لا تتحرك ، بينما تتحرك مثل هذه الهوة بسرعة فائقة في مجتمعات أخرى، وكثيرا ما تكون هذه الحركة السريعة في غير صالح الفئات المسبوقة اقتصاديا. ينتج عن هذا مجموعة من الظواهر التي تستحق اهتمام الدارسين مثل  الطبقات الاجتماعية ، وأشكال الصراع بين الطبقات ، وخصائص نوعيات الحياة ، والظروف المعيشية لفئات المسبوقين اقتصاديا، والظروف الخاصة التي تقود إلى ظهور  جماعات المهمشين، والوسائل التي يتبعونها للتشبث بالحياة اليومية.  وقد لا تناسب المفاهيم المعتمدة على نظرية التحديث هذا النوع من المشكلات البحثية ، وإنما يمكن التفكير في منظور الصراع . إذ يركز هذا التوجه النظري على دراسة التغيّرات التي تنقل المجتمع من حالة إلى حالة مناقضة ، فالتناقض هو المحرك الأساسي لتغيّر المجتمعات وتاريخ المجتمعات هو في التحليل الأخير تاريخ صراعٍ بين الطبقات. لا يفيد هنا التحليل الذي اعتمدته الماركسية التقليدية المبني على التناقض الذي يحدث بين وسائل  وعلاقات الإنتاج وما ينتج عنه من ديناميكية في العلاقات بين البنى التحتية والبنى الفوقية . فلا يوجد في حالة المجتمع الليبي ما يبرر التفكير في صراع الطبقات والتحكم والسيطرة. لكن محاولات التطوير التي حدثت فيما بعد ابتداء من

أعمال دارندوف  ( Dahrendorf, 1958) ومن نسج على منواله ،  وقاد الى توسيع  نطاق الصراع ، ليشمل الجماعات التي تختلف عن تكوين الطبقات مثل الجماعات الإثنية
والدينية والمهنية ، وتوسيع أسباب الصراع ليصير الصراع الاقتصادي مظهر واحد من بين مظاهره المتعددة قد يصلح للتطبيق في حالة المجتمع الليبي . وهنا قد تظهر العلاقة بين التعليم والتغير الإجتماعي على خلاف الشكل الذي  ظهرت عليه في هذه الورقة.

7 ـ      يشهد العالم خلال السنوات الأخيرة تسارع لم يعرفه من قبل في مجال التراكم المعرفي والتطبيقات العملية للمعرفة العلمية. وقد تزامن هذا مع ثورة في وسائل الاتصال مما سهل عملية انتقال مختلف المكونات  بين مختلف أنحاء العالم . وهذه المكونات بالنسبة للمجتمع المنتقلة إليه  قد تكون مفيدة أو غير مفيدة ، المرغوب فيها وغير المرغوب فيها ، التي لا تتعارض ونسق القيم المحلي والتي تتعارض معه وهكذا  . وليس في إمكان المجتمعات قفل الأبواب أمام حركة تنقل هذه المكونات . ومع أنه من الناحية النظرية جميع المجتمعات متساوية من حيث المقدرة على التصدير والمقدرة على التعامل مع ما تستقبله . لكن الواقع ليس كذلك . فقط عدد صغير من البلدان التي تتمتع بالقوة المالية والعلمية والعسكرية هي التي تصدر ولا تستقبل . وبالنسبة لحالة المجتمع الليبي فهو يقع بالطبع  في الجانب الذي يستقبل . تتفاعل المكونات القادمة مع بعض الظروف المحلية لتطوير ظواهر جديدة تنتشر بسرعة وتؤثر في عدد كبير من جوانب  الحياة الاجتماعية .

          تشتمل المكونات المتنقلة عبر الحدود على أفكار وعلى قيم وعلي أنماط سلوكية . يكون بعض هذه على طرف نقيض مع السائد  محليا ،  ومع ذلك تجد آذانا صاغية بين أعضاء بعض الفئات التي لها ظروف خاصة مثل صغار السن ،  أو العاطلين ،  أو المثقفين وهكذا . بعض هذه المكونات تساعد على توسيع مجال التطلعات عند الفرد والارتفاع بها، وقد تقود إلى انتشار شعور عام بعدم الرضى عما يجرى في المجتمع المحلي بخصوص مسائل معينة مثل: مسألة الديموقراطية وما قد يتصل بها من بعيد مثل توسيع نطاق المجتمع المدني. بعض المكونات القادمة قد تثير ردود أفعال متنوعة كتلك المتصلة بالعولمة وقد تشكل تهديدا كبيرا للثقافة السائدة ، أو تؤدي إلى  ظواهر تهدد النظام السياسي أو الاجتماعي السائد مثل ظواهر التطرف الديني وغير الديني . كيف سيؤثر كل هذا على دور الدولة الوطنية التي

تولت في السابق لوحدها عملية توجيه التغير ؟   كيف يؤثر كل هذا على التعليم وعلى مضامينه ؟ وما هو نوع التعليم المناسب لبناء مجتمع المستقبل ؟ أسئلة من هذا النوع قد تناسب اهمتامات الباحثين في العلاقة بين التعليم والتغير الإجتماعي . 

جدول رقم (  1  )

                       تطور أعداد الطلبة الليبيين  في جميع  مراحل التعليم
                       خلال سنوات مختلفة بالآلاف والنسبة المئوية لإناث

السنة
عدد الطلبة
% الإناث
1876\77
0.06
-
1911\12
0.1
-
21\22
0.6
-
30\ 31
4,4
-
38\ 39
6.9
-
43\ 44
6.7
5 .0
48\ 49
25.1
2 .1
50\51
32.8
11
55\56
70.1
16
60\61
136.4
18
65\ 66
227.5
26
70\ 71
407.4
34
75\ 76
743.5
43
80\ 81
973.8
44
85\ 86
1224.3
46
90\91
1492.4
48
95\96
1603.3
48
98\99
1690.7
49
                 المصدر: (التير ، 1992 :287 ـ 291 ؛ نشرة المركز الوطني          
                  للبحوث التعليمية   والتدريبية 1999  ).










                                       جدول رقم (2 )

                         تطور التعليم الجامعي في ليبيا: الطلاب  والجامعات

السنة
المجموع
النسبة المئوية للإناث
عدد الجامعات


%

55\ 56
31
00
1
60\ 61
729
3.3
1
65\ 66
1891
9
1
70 \71
5198
11
1
75 \76
13417
18
2
80 \81
19453
22
3
85 \86
36600
28
11
90 \91
62227
42
13
95\ 96
129173
44
14
98/99
165447
47
14
            المصدر: بنى الجدول على أرقام وردت في نشرات مختلفة صادره عن المركز الوطني للبحوث التعليمية والتدريبية.

 

 

 

 

 

 

 

 

جدول رقم ( 3 )

تطور بعض المؤشرات المتعلقة بمسيرة تحديث المجتمع الليبي


السنـة


نسبة السكان الحضر
%
نصيب الفرد من الطاقة/كيلوات
عدد السكان لكل طبيب
معدل وفيات الأطفال دون الخامسة لكل 1000 مولود حي
خطوط الهاتف لكل 1000 من السكان
1959
22
35
7250
290
7
1964
25
60
4755

ـ

11
1969
30
130
2611
87

ـ

1974
40
260
1100
69
15
1980
61
1600
960
56
24
1995
80
3300
715
30
59
المصدر: (التير ،1992 : 293، 298 ، 301؛ المسح العربي لصحة الأم والطفل، 1997 : 42).


 


المصادر


أولا : باللغة العربية

التير ، مصطفى عمر،(1981 ) ، "التعليم كمتغير مستقل"، مجلة الفكر العربي، بيروت، العدد 14.
التير ، مصطفى عمر،(1989 )، "نظريات التحديث والبحث عن النموذج المثالي" ، مجلة
الوحدة ، العـدد 57.
التير ، مصطفى عمر ،(1992 )، مسيـرة تحديث المجتمع الليبــــي : مواءمة بين

أمانة اللجنة الشعبية العامة للتعليم والبحث العلمي، (1996 ) ،  تقرير حول تطور التعليم في الجماهيرية العظمى.

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي،(1998 ) ، تقرير التنمية البشريــة لعام 1998، نيويورك : منشورات جامعة أكسفورد .
القديم والجديد ، بيروت : معهد الإنماء العربي  .
اللجنة الشعبية العامة للصحة والضمان الاجتماعي ،(1997 ) ، المسح العربي الليبي لصحة الأم والطفل.

الهيئة الوطنية  للمعلومات والتوثيق،(1995) ،  النتائج النهائية للتعداد العام للسكان .












ثانيا : باللغة الإنجليزية


Blake,Gerald H. ,“Urbanization and Development Planning in Libya”,in Abudho,R.A. and Salah El-Shakhs (eds.),(1979),  Development of Urban Systems in Africa, New York : Prager  Publishers.

Clinard, B.M. ( 1971 ), Anomie and Deviant Behavior, New York: The Free Press.

Dahrendorf, Ralf, (1959 ) ,Class and class conflict in Industrial society, Stanford, Calif : Stanford University Pres.
Eisenstadt,S.N.,(1973), Tradition, Change and Modernity,New York: John Wiley & Sons.

Inkeles, Alex,and David Smith,(1974), Becoming Modern: Individual Change in six Developing Societies, Cambridge, Mass. : Harvard University Press.                                                                                                                                 
Linski, Gerhard E . (1966),Power  and  privilege.  New York : McGraw-Hill.

 Merton, K. R. (1968) , Social Theory and  Social Structure, New York: The Free  Press, 3rd Edition.

Ogburn,William F,(1922), Social change. New York: B.W.Huebsch.

Sahlins, M. D. , and E.R. Service , ( 1960 ),Evolution and Culture,
Ann Arbor: University of Michigan Press.

Smelser, Neil J.,( 1959 ), Social Change in the Industrial
Revolution . Chicago: University of Chicago press .
Sterard, Julian L. , “ Evolution and Social Typology” , in Sol
Tax (ed.), (1966),Evolution After Darwin, Vol.2, Chicago:University
of Chicago Press.

White , Leslie, (1949),The Evolution of Culture . New York : McGraw-Hill .


" الدراسات "



أولا : باللغة العربية

التير ، مصطفى عمر،( 1991 ) ، "التحديث وتحطيم النمط التقليدي للحياة  الاجتماعية بالواحة: مثال المجتمع الليبي"، مجلة    الوحدة،  الرباط ، العدد 85 .
التير ، مصطفى عمر،( 1986 )، "نمط التحضر في ليبيا"، مجلة الفكر العربي ، العدد 43 .  
التير ، مصطفى عمر،( 1996 أ )، "النمو الحضري والتحديث : ملاحظات نظريــة "، في: كتاب المدينة العربية وتحديات المستقبل، الرياض:المعهد العربــي لإنماء المدن.

التير ، مصطفى عمر ،( 1996 ب )، "ملاحظات حول اتجاهات التغير في القرية الليبية الزراعية "، في كتاب : التحولات الحالية  للمجتمعات الريفية في المغرب العربي، تونس : منشورات كلية العلوم الاجتماعية والإنسانية.

التير ، مصطفى عمر ، وعثمان على أميمن ،( 2001 ) ، اللامعيارية وسبل الوصول إلى الهدف : مثال الغش في الامتحانات، طرابلس : منشورات مركز دراسات التنمية المستدامة .

جدور، محمود سالم ،( 1996 ) ، " صراع القيم بين الآباء والأبناء : دراسة ميدانية لاتجاهات الأسرة الليبية حول بعض القيم المرتبطة  بالزواج بمدينة الزاوية " ،  رسالة ماجستير غير منشورة ، قسم الاجتماع ، كلية العلوم الاجتماعية التطبيقية ، جامعة الفاتح.
الترهوني، ضو خليفه، (2000 ) ، " نموذج التحديث في المدينة الصغيرة : دراسة ميدانية لمدينة العجيلات " ، رسالة ماجستير غير منشورة ، قسم الاجتماع ، كلية العلوم الاجتماعية التطبيقية،  جامعة الفاتح.

الزقوزي ، مفيدة ،(1992 )، " أنماط الزواج في المجتمع الليبي " ، رسالة ماجستير غير منشورة ، قسم الاجتماع ، كلية العلوم الاجتماعية التطبيقية ، جامعة الفاتح .

الزوي ، لوجلي صالح،( 1999 ) ، المدينة المتغيرة : نموذج للنمو الحضري والتغير الاجتماعي والثقافي والاقتصادي في ليبيا،بنغازي : منشورات جامعة قاريونس.

الزوي ، لوجلي صالح،( 1998 )، البادية الليبية : الحاضر والمستقبل ، بنغازي : منشورات جامعة قاريونس .
الهمالي ، عبد الله عامر(1986 ) ، التحديث الاجتماعي : مهامه ونماذج من تطبيقاته ، مصراته : الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان .




ثانيا : باللغة الإنجليزية



Attir, Mustafa Omar,(1983), “Libyan Pattern of Urbanization”,  Ekistics ,Vol 50.

Attir , Mustafa Omar,(1985), ”Ideology , Value Changes and Women’s Social Position in Libyan Society” in  Elizabeth Fernea , Middle Eastern Women: New Voices of  Change ,  Austin : University of Texas Press.

Attir, Mustafa Omar,(1994), ”Aspects of Urbanization in Rural Libya”, Symposium on Agriculture and Urbanization in Mediterranean Region , (Tunis).

Elkabir,Yassin,(1980), Migrants in Tripoli, Pittsburgh: University
Center of International Studies.